هاشم معروف الحسني
81
سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة )
الدنيا بدأ النبي ( ص ) يعده إعدادا صالحا ويهيئه لتحمل المسؤولية التي حملها في حياة الرسول وبعد وفاته . فكان غذاؤه الأول من لسان الرسول الذي لم يتحرك بغير الحق والصدق منذ صباه إلى أن اختاره اللّه إليه ، حتى عرف منه ذلك القريب والبعيد ، وغلبت عليه صفة الصادق الأمين قبل نبوته ، وأصبح يعرف بذلك أكثر مما يعرف باسمه ونسبه . لقد أراد الرسول ان يغذي عليا ساعة وجوده في دنيا الناس التي غلب على أهلها الباطل والغدر والنفاق ، أراد ان يغذيه من لسانه الذي لا يعرف غير الحق والصدق ، ليكون مفطورا ومطبوعا على الحق وحربا ضارية على الباطل والطغيان أراد ان يطبع الحكمة على لسانه حتى لا ينطق بغير الحق والحكمة ولا ينحرف عن الحق في نملة يسلبها جلب شعيرة حتى لو أعطي الأقانيم السبعة كما اخبر عن نفسه وبعد ان غذاه بلسانه سلمه إلى أم كريمة رحيمة غذته بلبنها ورعته بعطفها وحنانها كما رعت أستاذه ومعلمه محمد بن عبد اللّه من قبل . وما ان بلغ السادسة أو الثامنة من عمره حتى أصابت قريشا أزمة شحت فيها موارد العيش ، واشتد وقعها على أبي طالب لأنه كان في قلة من المال لا يفي بنفقة رجل كان يتمتع بتلك الزعامة ، فقال محمد لعميه الحمزة والعباس : ألا نحمل ثقل أبي طالب في هذا المحل ، فاستجابا لطلبه وسألوا أبا طالب ان يدفع لهم ولده ليكفوه امرهم ، فقال : دعوا لي عقيلا وخذوا من شئتم ، فأخذ العباس طالبا وحمزة جعفرا واخذ هو عليا ، وجاء عنه أنه قال لقد اخترت من اختاره لي اللّه ، فكان هو المربي والمعلم والموجه لعلي منذ طفولته إلى آخر لحظة من حياته ، واستطاع بما أودعه اللّه فيه من أسرار وطاقات ان يستوعب منه علما لو وزع على مجموعة كبيرة من الصحابة أو غيرهم لخرج كل واحد منهم بحصيلة تؤهله لأن يكون في صفوف العباقرة الأفذاذ . لقد تولاه الرسول بالتعليم وبث في روحه دقائق الحكمة وأسرار الكون والمعرفة ، وبصره بخلق السماوات والأرض ، حتى أدرك من الحقائق ما لم